Tuesday, 16 September 2014

هانا ارنت

اثر توصية من صديق حميم- بالإضافة الى بوستر ملّح وملفت كان على جدران سودان فلم فاكتوري- حرصت أن يكون أول تطبيق عملي لحصة الداونلود التي تلقيتها من ابني أحمد محمود هي ان انزل فيلم  هانا ارنت بعد أن أعياني البحث عنه في اليوتيوب، ولكن!! حدثت مشكلة تبدى لي لاحقا انها كانت فرصة، اذ ان الفلم نزل دون صوت نسبة لعدم تطابق مشغل الفيديو مع الملف او اي من الهراءات وحجج احتكار الانترنت. بعد يأس.. قررت أن أشاهد  الفلم دون صوت معتمدة على قراءة ال subtitles- (من باب الفضول تفرجت عليه لاحقا بصوت ولم أكررها) - وعلى ما قد يبدو في التعليق من جلافة الا أنه لا بد وأن تجربة الصم في متابعة الأفلام هي فريدة من نوعها ، ولا بد أنها محل تقدير اي سينماتوغرافر .




شاهدت للمخرجة مارجريت فون تروتا فلم سابقا يحكي أيضا قصة مفكرة اوروبية -يهودية وهي روزا لكسمبورق تعاونت فيه مع نفس المممثلة باربرا سوكوفا- والفارق بين فلمها الذي انتج عام ١٩٨٥ و فلمها الأخير هانا ارنت الذي انتج عام ٢٠١٢ كبير. في فيلم ارنت تراجعت المخرجة عن محاولة عرض افكار الشخصية والتركيز على "حالة" التفكير و"عملية" التفكير. والنتيجة كانت (رغي أقل) 

اول ما تلحظه في فلم ارنت هو انه غارق في الألوان الدافئة ودفق من الضوء الحميم. هنا تجد الوان الزمرد والأزرق البترولي ومشتقات الزيوت المضيئة والوان الخشب العميقة والخوخي والليلكي استعاضة عن الرمادي والأبيض باللؤلؤي والسكري  (عدا في اللقطات التي تعرض فيها محاكمة ايخمان)- فلم رويان. لازم اقول اسماء الألوان بالانجليزي عشان عاجباني
 emerald greens and deep auburns, blood oranges and sensual plums, lilacs, pearl grays 

petroleum blues








(شاهدت حوارات للمخرجة واعتقد ان تأويلي للفلم هو من عندي تماما- خصوصا في مسألة توظيفها لهايدغر في الفلم فقد اعطت تفسيرا مختلفا عما سأقوله- لكن في رأيي - أن النقد يتمحور حول قراءة النص- لا النص)
تقول المخرجة أنها وظفت مارتن هايدغر لتناقض قول ارنت في نهاية الفلم أن التفكير له دور هام في أن يمنع الكوارث من أن تحصل مستدلة -بعدم تفكير ايخمان- لكن المخرجة جاءت بالمفكر العظيم هايدغر الذي أيد النازية كمثال لأن التفكير قد يقع في فخ الكارثة (لكل عالم هفوة كما تقول العرب)

في قراءة متصربعة لمقدمة كتابه نهاية الفلسفة وهو من اخر كتابات هايدغر -لذا اعذرو خلل التفسير- يشير الى بداية هيمنة التفكير الوظيفي مع تقدم عصر التكنلوجيا والعلوم- والذي ينحصر في الإجابة على أسئلة : لأي غرض ؟ وما الفائدة؟ وما التأثير؟ وما المسبب؟ -نجد في الفلم مقطع يقول فيه هايدغر بمتابعة لصيفة من تلميذته هانا "التفكير لا يثمر عن معرفة كما تفعل العلوم، التفكير لا يتنج حكمة عملية للعامة، التفكير لا يحل الغاز الكون، التفكير لا يعززنا بالقدرة على الفعل، نحن نحيا لأننا كائنات حية، ونفكر لأننا كائنات مفكرة" ثم بعدها مقطع لهانا تناقش معلمها هايدغر حول ما اسمته "التفكير الشغوف" ولماذا يتم الفصل بينهما. وعلى مدى تصفحي على اليوتيوب يشير معظم زملاء هانا ارندت أنها كانت تفكر بكل ما فيها. ويفسر لي هذا التعريف للتفكير المتجاوز ل"تفاكير معاصريها" المسرعة لإدانة ايخمان او التي كانت تحتاج بشدة لفعل : الحكم والمحاكمة ، يفسر لي ذلك التفكير المتأمل الثقيل المنتقي لقوالب التعبير عن نفسه (أو الذي تنتقي له اللغة قوالب ملائمة له كما كان سيقول هايدغر) -يفسر لي الأزياء الجميلة التي كانت ترتديها هانا خلال الفلم وطقم اللآلىء واسورة الفضة اليتيمة مع الساعة الأنيقة. بدا لي وكأنه يعرف النبل :بالتفكير











واعتقد دا بيبرر لي الألوان الدافئة طوال الفلم- كتعبير عن التفكير الحساس الشغوف، الذي لا يفضي الى صاح او خطأ وانما نحو عمق ما. والإضاءة لم تكن اضاءة تماما إنما لون الوهج الذهبي المحمر الدافئ. وهذا من عمل السينماتوغروفر الفرنسية كارولين شامبتيير التي تابعت لها مقطعي فيديو على الانترنت الأول تتحدث فيه عن كيف ان  عملية التصوير هي في حد ذاتها عملية تفكير متولدة (اثناء العمل)-مناسب مع الفلم



كما اتاحت لي الفلم رؤية عظمة الممثلة باربرا سوكوفا في تمثلها الذكاء الحاد في تقاسيم وجهها ولمعة عينيها ومع ذلك شيء من الرقة والألفة يتبدى في ابتسامتها البطيئة ، استطاعت ان تبدي العملية الدقيقة والمضنية والجادة للتفكير وفي الوقت ذات متعته. استطاعت ان تمثل نضج هانا وبراءتها في الوقت ذاته. (ليس غريبا أنها نالت جائزة لولا الألمانية للتمثيل المعادلة لجائزة الأوسكار الامريكية)

احب في الأفلام تفاصيلها.. لفت نظري المنظر الذي تطل عليه نافذة شقة هانا ارنت وهو يطل على منظر بديع لمدينة نيويورك تلمع اضواؤها على النهر -وظننت أن في الأمر مبالغة وخمنت أنها زلة الفلم الأساسية. حتى قرأت تحليلا للفلم يعلَق على طائفة المفكرين الذين يسكنون في شقق حديثة في المناطق الراقية الغربية في النيويورك المطلة على نهر الهادسون، معظمهم  أساتذة جامعات ومحاضرين وفئة منهم من المهاجرين. 

ليس للفلم موسيقى تصويرية -(خبطة معلم)- اذ أن التفكير الشغوف لا يعني العاطفي- لم يتم استجداء أي عواطف عبر كمنجات باكية او تصعيد الإثارة بقرع الطبول- الإثارة والتصعيد اعتمد كلية على تعابير هذه الممثلة الجميلة البارعة. فمن عينيها كنت تستقي السرد- والعقدة -وتصعيدها- وحلها.
لنك الفلم على اليوتيوب- للناطقين بالألمانية والانجليزية على السواء -اذ ان الفلم يتراوح بينهما

https://www.youtube.com/watch?v=MyCo-5ydceA

No comments:

Post a Comment